ابن كثير
148
البداية والنهاية
بالفاعل ثم يذهب فيشتري البيض والزبدة وتارة الشواء والجوذبان والخبيص فيطعمه أصحابه وهو صائم ، فإذا أفطر يأكل من ردئ الطعام ويحرم نفسه المطعم الطيب ليبر به الناس تأليفا لهم وتحببا وتوددا إليهم . وأضاف الأوزاعي إبراهيم بن أدهم فقصر إبراهيم في الاكل فقال : مالك قصرت ؟ فقال : لأنك قصرت في الطعام . ثم عمل إبراهيم طعاما كثيرا ودعا الأوزاعي فقال الأوزاعي : أما تخاف أن يكون سرفا ؟ فقال : لا ! إنما السرف ما كان في معصية الله ، فأما ما أنفقه الرجل على إخوانه فهو من الدين . وذكروا أنه حصد مرة بعشرين دينارا ، فجلس مرة عند حجام وهو وصاحب له ليحلق رؤوسهم ويحجمهم ، فكأنه تبرم بهم واشتغل عنهم بغيرهم ، فتأذى صاحبه من ذلك ثم أقبل عليهم الحجام فقال : ماذا تريدون ؟ قال إبراهيم : أريد أن تحلق رأسي وتحجمني ، ففعل ذلك فأعطاه إبراهيم العشرين دينارا ، وقال : أردت أن لا تحقر بعدها فقيرا أبدا . وقال مضاء بن عيسى : ما فاق إبراهيم أصحابه بصوم ولا صلاة ولكن بالصدق والسخاء . وكان إبراهيم يقول : فروا من الناس كفراركم من الأسد الضاري ، ولا تخلفوا عن الجمعة والجماعة . وكان إذا سافر مع أحد من أصحابه يحدثه إبراهيم ، وكان إذا حضر في مجلس فكأنما على رؤوسهم الطير هيبة له وإجلالا . وربما تسامر هو وسفيان الثوري في الليلة الشاتية إلى الصباح ، وكان الثوري يتحرز معه في الكلام . ورأى رجلا قيل له : هذا قاتل خالك ، فذهب إليه فسلم عليه وأهدى له وقال : بلغني أن الرجل لا يبلغ درجة اليقين حتى يأمنه عدوه . وقال له رجل : طوبى لك أفنيت عمرك في العبادة وتركت الدنيا والزوجات . فقال : ألك عيال ؟ قال : نعم . فقال : لروعة الرجل صاله يعني في بعض الأحيان من الفاقة - أفضل من عبادة كذا وكذا سنة . ورآه الأوزاعي ببيروت ؟ عنقه حزمة حطب فقال : يا أبا إسحاق إن إخوانك يكفونك هذا . فقال له : اسكت يا أبا عمرو ! بلغني أنه إذا وقف الرجل موقف مذلة في طلب الحلال وجبت له الجنة . وخرج ابن أدهم من بيت المقدس فمر بطريق فأخذته المسلحة في الطريق فقالوا : أنت عبد ؟ قال : نعم . قالوا : آبق ؟ قال : نعم . فسجنوه . فبلغ أهل بيت المقدس خبره فجاؤوا برمتهم إلى نائب طبرية فقالوا : علام سجنت إبراهيم بن أدهم ؟ قال : ما سجنته . قالوا : بلى هو في سجنك . فاستحضره فقال : علام سجنت . فقال : سل المسلحة ، قالوا : أنت عبد ؟ قلت : نعم وأنا عبد الله . قالوا : آبق ؟ قلت : نعم وأنا عبد آبق من ذنوبي . فخلى سبيله . وذكروا أنه مر مع رفقة فإذا الأسد على الطريق فتقدم إليه إبراهيم بن أدهم فقال له : يا قسورة إن كنت أمرت فينا بشئ فامض لما أمرت به وإلا فعودك على بدئك . قالوا : فولى السبع ذاهبا يضرب بذنبه ، ثم أقبل علينا إبراهيم فقال : قولوا : اللهم راعنا بعينك التي لا تنام ، واكنفنا بكنفك الذي لا